رأس حصان، وذيل قرد يلتف حول الأعشاب، وعينان تتحركان كعيني الحرباء، وأب يحمل صغاره في جيب على بطنه. حصان البحر، أو فرس البحر كما يسميه كثيرون، من أغرب ما يعيش على سواحلنا. وهو أقرب إلينا مما نظن: سُجّل قرب 17 ميناءً عربياً من الأطلسي إلى الخليج.
سمكة حقيقية رغم شكلها
كثيرون لا يعرفون أن حصان البحر سمكة. فهو يتنفس بالخياشيم، وله زعانف ومثانة هوائية تحفظ توازنه في الماء. ينتمي إلى فصيلة أسماك الأنابيب، ويضم جنسه Hippocampus نحو 46 نوعاً حول العالم. والاسم اللاتيني نفسه يعني «حصان البحر» باليونانية القديمة.
لكنه سمكة غير عادية: لا قشور له، بل يغطي جسمه درع من حلقات عظمية تحت الجلد. ويسبح منتصباً بزعنفة ظهرية صغيرة تهتز عشرات المرات في الثانية، فهو من أبطأ الأسماك سباحة. لذلك لا يبتعد كثيراً عن مكانه، ويقضي معظم وقته متمسكاً بذيله بعشبة أو غصن مرجان.

الصورة: Nick Hobgood · CC BY-SA 3.0 · ويكيميديا كومنز
الأب الذي يلد
أشهر ما في حصان البحر أن الذكر هو الذي يحمل. في موسم التكاثر يتقابل الزوجان كل صباح في ما يشبه الرقصة: يلتفان حول عشبة واحدة، ويتغير لونهما، ويسبحان معاً. ثم تضع الأنثى بيضها في جيب الحضانة على بطن الذكر، فيخصبه داخله.
يبقى البيض في الجيب نحو أسبوعين إلى أربعة أسابيع بحسب النوع وحرارة الماء. والجيب ليس مجرد كيس: ينظم الذكر فيه الأكسجين والأملاح ويغذي الأجنة. وحين يحين الوقت يطلق الصغار بانقباضات قوية، وقد يخرج منه بضع عشرات أو أكثر من ألف صغير بحسب النوع والحجم.
كيف يعيش ويأكل
ليس لحصان البحر معدة حقيقية، فيمر الطعام في جسمه بسرعة، ولهذا يأكل طوال النهار تقريباً. غذاؤه قشريات صغيرة جداً مثل الربيان الدقيق ويرقات القشريات. ينتظر ساكناً حتى تقترب الفريسة، ثم يمتصها بخطمه الأنبوبي في جزء صغير من الثانية.
- عينان مستقلتان: تتحرك كل عين وحدها، فيراقب الفريسة بعين والخطر بالأخرى.
- تمويه: يغيّر لونه ليطابق الأعشاب أو المرجان، وتنمو على جلد بعض الأنواع زوائد تشبه الطحالب.
- ذيل قابض: لا زعنفة في ذيله، بل يلفه حول ما حوله ليثبت نفسه أمام التيار.
- مكان ثابت: كثير من الأفراد يعيشون شهوراً في مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار.
ولأنه سباح ضعيف، يفضل الماء الهادئ: مروج الأعشاب البحرية، وجذور المانغروف في أبوظبي، والبحيرات الساحلية، وحتى حبال المراسي وشباك المزارع السمكية داخل الموانئ.
أنواعه في البحار العربية
لا يعيش في بحارنا نوع واحد، بل أنواع تختلف بين بحر وآخر:
- الخليج العربي وبحر العرب: حصان البحر المنقط (H. kuda) في المياه العكرة والمانغروف، وحصان البحر الكبير (H. kelloggi) في المياه الأعمق على سواحل الفجيرة وعُمان.
- البحر الأحمر: حصان البحر الداكن (H. fuscus) في مروج الأعشاب، وقد عبر قناة السويس إلى شرق المتوسط حتى سُجّل قرب اللاذقية،وحصان جاياكار (H. jayakari) الذي يكثر في خليج العقبة.
- البحر المتوسط والأطلسي: حصان البحر قصير الخطم (H. hippocampus) وحصان البحر طويل الخطم (H. guttulatus) ذو الزوائد الشبيهة بالعرف، من طنجة إلى بنزرت والجزائر وصولاً إلى الداخلة.

الصورة: prilfish · CC BY 2.0 · ويكيميديا كومنز
أين سُجّل قرب موانئنا
جمعنا مشاهدات حصان البحر الموثقة في منصة iNaturalist (مشاهدات بصور راجعها مختصون) ضمن 50 كيلومتراً من كل ميناء في ArabTides. النتيجة 89 مشاهدة قرب 17 ميناءً:
| الميناء | الأنواع المسجلة | المشاهدات |
|---|---|---|
| العقبة | حصان جاياكار، حصان البحر المنقط | 55 |
| الجزائر العاصمة | حصان البحر قصير الخطم | 7 |
| طنجة | حصان البحر قصير الخطم، حصان البحر طويل الخطم | 6 |
| دبي | حصان البحر المنقط | 4 |
| الداخلة | حصان البحر قصير الخطم | 3 |
| أبوظبي | حصان البحر المنقط | 2 |
| الفجيرة | حصان البحر الكبير | 2 |
| أكادير | حصان البحر الأفريقي | 1 |
| الصويرة | حصان البحر قصير الخطم | 1 |
| صفاقس | حصان البحر قصير الخطم | 1 |
| بنزرت | حصان البحر قصير الخطم | 1 |
| مسقط | حصان البحر المنقط | 1 |
| رأس الخيمة | حصان البحر الكبير | 1 |
| الدوحة | حصان البحر المنقط | 1 |
| جدة | حصان جاياكار | 1 |
| الدمام | حصان البحر المنقط | 1 |
| اللاذقية | حصان البحر الداكن | 1 |
تتصدر العقبة القائمة بفارق كبير، لا لأن حصان البحر أكثر فيها بالضرورة، بل لأن شعابها القريبة من الشاطئ من أشهر أماكن الغوص في المنطقة، فيصوره الغواصون كثيراً. فهذه الأرقام تعكس أين يبحث الناس ويصورون، لا عدد الخيول البحرية الفعلي. وغيابه عن ميناء في الجدول لا يعني أنه غير موجود هناك.
لماذا يتناقص
يُصنَّف حصان البحر المنقط «معرضاً للانقراض» في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، وأعداد أنواع كثيرة غيره في تراجع. والأسباب ثلاثة:
- شباك الجر: أكثر الخيول البحرية تُصاد عرضاً في شباك جر القاع، خاصة شباك الربيان، فيموت في الشبكة أو على سطح القارب.
- تجارة الحصان المجفف: يُباع مجففاً بعشرات الملايين كل سنة لأسواق الطب التقليدي والتذكارات، دون دليل علمي على أي فائدة علاجية.
- تدمير موطنه: ردم السواحل وقطع المانغروف وتلوث مروج الأعشاب البحرية تحرمه من المكان الوحيد الذي يستطيع العيش فيه، فهو لا يقدر على الهجرة بعيداً.
إذا صادفته
قد تراه وأنت تغطس قرب الشاطئ، أو تجده عالقاً في شبكتك أو بين الأعشاب على حبل المرساة. في الحالتين:
- إذا علق في الشبكة: أعده إلى الماء فوراً وبرفق، قرب الأعشاب أو الصخور إن أمكن. لا تتركه على سطح القارب ولو دقيقة.
- في الغطس: صوّره دون فلاش قريب، ولا تلمسه ولا تفك ذيله عن العشبة، ولا تطارده. فهو سباح بطيء يتعب بسرعة.
- لا تشترِه مجففاً ولا تحتفظ به للزينة، ولا تنقله إلى حوض في البيت؛ فهو يحتاج إلى غذاء حي باستمرار ولا يعيش طويلاً في الأحواض المنزلية.
- شارك مشاهدتك: صورة على iNaturalist مع المكان تساعد الباحثين على معرفة أين يعيش في بحارنا، وقد تظهر في هذا الجدول في تحديث قادم.
تعرّف على أسماك أخرى تشاركه البيئة نفسها في دليل الأسماك، مثل سمكة المهرج وسمكة الملاك.
المصادر
- اتفاقية سايتس: CITES Appendices (الجنس Hippocampus في الملحق الثاني منذ 2004).
- القائمة الحمراء: IUCN Red List — Hippocampus kuda.
- قاعدة بيانات الأسماك: FishBase — Hippocampus kuda.
- مشروع حصان البحر للأبحاث والحماية: Project Seahorse.
- المشاهدات قرب الموانئ: iNaturalist، مشاهدات بدرجة «بحثية» ضمن 50 كم من كل ميناء.
- الصور: Nick Hobgood (CC BY-SA 3.0) وprilfish (CC BY 2.0) عبر ويكيميديا كومنز.
